عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

108

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

« منها لقريش ، ومنها لكنانة ، ومنها لأسد ، ومنها لهذيل ، ومنها لتميم ، ومنها لضبة وألفافها ، ومنها لقيس ، لكان قد أوتي على قبائل مضر في مراتب سبعة تستوعب اللغات التي نزل بها القرآن » . قال : « وإن في لغة مضر شواذ ، لا نختارها ولا نجيز القرآن بها ، مثل كشكشة قيس ، يجعلون كاف المؤنث شينا ، وعنعنة تميم ، يقولون « عن » في موضع « أن » ، وكما ذكر عن بعضهم أنه يبدل السين تاء » . ثم قال : « وهذه الأحاديث الصحاح التي ذكرنا بالأسانيد الثابتة المتصلة تضيق عن كثير من الوجوه التي وجّهها عليها من زعم أن الأحرف في صورة الكتبة وفي التقديم والتأخير والزيادة والنقصان ، لأن الرخصة كانت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، والعرب ليس لهم يومئذ كتاب يعتبرونه ، ولا رسم يتعارفونه ، ولا يقف أكثرهم من الحروف على كتبه ، ولا يرجعون منها إلى صورة ، وإنما كانوا يعرفون الألفاظ بجرسها ، أي بصوتها ، ويجدونها بمخارجها ، ولم يدخل عليهم يومئذ من اتفاق الحروف ما دخل بعدهم على الكتبين من اشتباه الصور ، وكان أكثرهم لا يعلم بين الزاي والسين سببا ، ولا بين الصاد والضاد نسبا » . قال : « فإن قيل : فإنا نجد حروفا متباينة المخارج ، وهي متفقة الصور يقرءون بها ، مثل ننشرها و نُنْشِزُها [ البقرة : 259 ] ، فإن العلة في ذلك تقارب معانيها ، وإن تباعدت مخارجها ؛ وليس بعجب أن يتوافى لحرفين متباينين في اللفظ ، متقاربين في المخرج صورة تجمعهما وسمة تأخذهما ، كما أنه ليس بعجب أن يتوافى في اللفظ الواحد معنيان متباينان ، يسوغ بها القول ويحملها التأويل . ألا ترى أن الذين أخذت عنهم القراءة إنما تلقوها سماعا وأخذوها مشافهة وإنما القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول ، ولا يلتفت في ذلك إلى الصحف ولا إلى ما جاء من وراء وراء ، وإنما أخذت الرخصة في ذلك بالأمة الأمية ، والعصبة المعدّية ، فلما كانت الرخصة وهم كانوا العلة ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « نحن أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحسب وإنّ الشّهر هكذا وهكذا » ، وجعل يشير بأصابعه عد العرب « 1 » . قال : « وذكر بعض الخبريين أن هشام بن عبد الملك « 2 » مرّ على ميل فقال

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصوم باب 13 ، ومسلم في الصيام حديث 15 ، وأبو داود في الصوم باب 4 ، والنسائي في الصيام باب 17 ، وأحمد في المسند 2 / 122 . ( 2 ) هو هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ، أبو الوليد القرشي الأموي الدمشقي ، الخليفة الأموي ، بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن عبد الملك -